الشيخ محمد الصادقي

352

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

كما وله الخلق قبل الخلق والأمر وبعدهما ، فهو « خالق إذ لا مخلوق وعالم إذ لا معلوم . . » « 1 » ف « من زعم أن اللَّه جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل اللَّه على أنبياءه لقوله : ألا له الخلق والأمر تبارك اللَّه رب العالمين » « 2 » وقد يعنى الأمر هنا الهدى الشاملة لكل خلق تكوينياً وتشريعياً : « رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » ( 20 : 50 ) هداية تناسب غايته المخلوق لها . فهنا « ألا له الخلق والأمر » حصر لهما بساحة الربوبية ، وعبارته الأُخرى هو الرب لا سواه ، لا يشاركه أحد في خلق أو هدى ، في تكوين أو تشريع ، ولا تعنى الرسالة الآلهية التي هي القمة العالية في مناصب لمن سوى اللَّه الا رسالة الأحكام التي يشرعها اللَّه سبحانه . ذلك ، وصيغة الخلق في القرآن تعنى - / دونما استثناء - / كل الخليقة ، مادية بطاقاتها ومنها الأرواح ، فقد « خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ( 6 : 101 ) - / « أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ » ( 7 : 185 ) « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » ( 25 : 2 ) « وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » ( 51 : 49 ) « خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ » ( 22 : 5 ) « إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ » ( 37 : 11 ) . فهذه الآيات ونظائرها تدل على تحليق الخلق على كلّ شىءٍ ، سواء أكان خلقاً متدرجاً في تكونه كما السماوات والأرض برمَّتهما ، أم دون تدرج كما الخلق الأوّل لمكان خلقه لا من شىءٍ فالمخلوق من شئ يجوز فيه التدرج ، ولكن الذي يخلق لا من شئ فلا مجال فيه لتدرج ، فغير الخلق الأول بين متدرج التكون وسواه ، والخلق الأول محصور في سواه .

--> ( 1 ) - / نور الثقلين 2 : 40 في الخرائج والجرايح قال أبو همام سئل محمد بن صالح أبا محمد عليه السلام عن قوله تعالى : « لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ » فقال : له الأمر من قبل أن يأمر به وله الأمر من بعد أن يأمر به مما يشاء فقلت في نفسي هذا قول الله : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » فأقبل على وقال : هو كما أسررت في نفسك : « ألا له الخلق والأمر تبارك رب العالمين » . ( 2 ) - / الدر المنثور 3 : 92 - / أخرج ابن جرير عن عبد العزيز الشامي عن أبيه وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يحمد اللَّه على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه فقد كفر وحبط ما عمل ومن زعم . . .